اسماعيل بن محمد القونوي
361
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الباصرة مجازا مرسلا لتعلقها أي الباصرة به أو بالنور فإن رؤيتها بسبب النور « 1 » . قوله : ( أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه ) أو لمشاركتها أي الباصرة للنور فيكون إطلاق النور على القوة الباصرة استعارة بعلاقة المشابهة وهذا بناء على أن الإبصار بمجرد خلق اللّه تعالى على ما اختاره المتكلمون فيكون الباصرة مشابهة بالنور في سببية إدراك الشيء وظهوره ثم أطلق عليه تعالى لكونه تعالى سببا لأن يدرك أهل السماوات والأرض شيئا أو لأن يدرك أهلهما فيكون مجازا من المجاز وجوازه متنازع فيه وإن كان الأصح جوازه فلو قيل إنه أطلق عليه تعالى لكونه سببا للإدراك كالنور فما المانع منه حتى احتيج إلى هذا التمحل « 2 » وأما قوله لتعلقها فبناء على أن الإبصار بخروج جسم شعاعي من العين على هيئة مخروطة رأسه يلي العين وقاعدته تلي المبصر وهو مذهب جمهور الرياضيين من الحكماء ومذهب الطبيعيين كأرسطو الإبصار بانعكاس صورة المرئي بتوسط الهواء المشف إلى الرطوبة الجليدية وانطباعها بجزء منه كما فصل في فن الحكمة فعلم أنه لو ترك قوله لتعلقها لكان أولى إذ اعتبار مذهب الحكماء في تفسير القرآن مما يتوحش منه قوله في توقف الإدراك عليه أي على كل واحد منهما لا على النور فقط كما يوهمه إفراد الضمير . قوله : ( ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكا فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات ) ثم على البصيرة . أي ثم من حيث إنه يطلق على البصيرة وهي قوة في القلب يدركها بها المعاني كالقوة الباصرة قوله لأنها أي البصيرة أقوى إدراكا أي من الباصرة فيكون إطلاق النور عليها أولى من إطلاقه على الباصرة للمشاركة قيل فإن قلت قوله ثم يقتضي أنها دونها وقوله أقوى يخالفه قلت هما باعتبارين فإن إطلاق النور على البصر أشهر وأظهر والبصيرة مستمدة من الحواس الظاهرة غالبا فهي في المرتبة الثانية بهذا الاعتبار وباعتبار أن مدركاتها أكثر أقوى ورب فرع فاق أصله فهي تدرك نفسها والمعدومات بخلاف الباصرة انتهى . فاتضح منه سر عدم إطلاق النور على البصيرة ابتداء بل بواسطة إطلاقه على الباصرة حيث كانت الباصرة سببا للبصيرة غالبا فأطلق على الباصرة مجازا أو استعارة للمشاركة وبعد إطلاقه على الباصرة أطلق على البصيرة لمشاركتها لها في الإدراك بل أقوى منه ولو أطلق على البصيرة ابتداء لعدم ظهور المشاركة لم يحسن والأقوى مشهور استعماله في الكيف والمص استعمل هنا في الكم حيث علله بكثرة المدركات ولو علله بأنها مقر التصديق اليقيني ومعدنه لكان أقوى كيفا . قوله : ( الموجودات والمعدومات ) بدل من الكليات والجزئيات « 3 » لكن كون
--> ( 1 ) أي بسبب جسم شعاعي والمعنى فإن رؤيتها بسبب نور قائم بالجسم الشعاعي . ( 2 ) نعم لا كلام في صحة ما ذكره المص لأن اطلاق النور على الباصرة أشهر وأوضح وما ذكره من العناية اتضح اطلاق النور عليه تعالى مجازا وإنما الكلام في الاحتياج إلى هذا التمحل وبعد تحرير هذا الكلام اطلعنا هذا البحث في الحاشية الكارزونية . ( 3 ) أو الموجودات ناظر إلى الجزئيات والمعدومات ناظر إلى الكليات .